الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري

233

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

قد عيروا الحنيفية دين إبراهيم واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه وليس معهم حجة من اللّه به ولم يزل معلوما من دين الرسل كلهم من أوّلهم إلى آخرهم قبح الشرك والوعيد عليه في النار وأخبار عقوبات اللّه لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن فللّه الحجة البالغة على المشركين في كل وقت وحين ولو لم يكن الا ما فطر اللّه عباده عليه من توحيد ربوبيته لكفى فإنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر وان كان اللّه سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها فالمشرك مستحق للعذاب في النار لمخالفته دعوى الرسل وهو مخلد فيها دائما كخلود أهل الجنة في الجنة وقد تعقب العلامة أبو عبد اللّه الابوى من المالكية فيما وضعه على صحيح مسلم قول النووي وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار إلى آخره بما معناه تأمّل ما في كلامه من التنافي فان من بلغتهم الدعوة ليسوا من أهل الفترة لان أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الرسول الاوّل ولا أدركوا الثاني كالاعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى عليه السلام ولا لحقوا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فالفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين كالفترة بين نوح وهود ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى ونبينا عليهما السلام وذكر البخاري عن سلمان أنها كانت ستمائة سنة ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين * فان قيل قد صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كحديث رأيت عمرو بن لحى يجرّ قصبه في النار ورأيت صاحب المحجن في النار وهو الذي كان يسرق الحاج بمحجنه فإذا أبصر به قال ليس كما تقولون وانما يتعلق بمحجنى * أجيب بأجوبة أحدها أنها اخبار آحاد فلا تعارض القطع * الثاني قصر التعذيب على هؤلاء واللّه أعلم بالسبب * الثالث قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدّل وغير من أهل الفترة بما لا يعذر به من الضلال كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع فان أهل الفترة ثلاثة أقسام * الاوّل من أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبع وقومه من حمير وأهل نجران وورقة بن نوفل وعمه عثمان بن الحويرث * القسم الثاني من أهل الفترة وهم من بدل وغير فأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلل وحرّم وهم الأكثر كعمرو بن لحى أوّل من سنّ للعرب عبادة الأصنام وشرع الاحكام فبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحام وتبعته العرب في ذلك وغيره مما يطول ذكره * وفي أنوار التنزيل إذ انتحت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا اذنها أي شقوها وخلوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب * وفي المدارك ولا تطرد من ماء ولا مرعى واسمها البحيرة انتهى وكان الرجل منهم يقول إن شفيت وفي المدارك من مرضى أو قدمت من سفري فناقتى سائبة ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها * وفي المدارك قيل كان الرجل إذا أعتق عبدا قال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث وفي الصحاح سيبت الدابة تركتها تسيب حيث شاءت أي تجرى والسائبة الناقة التي كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه وقد قيل هي أم البحيرة كانت الناقة في الجاهلية إذا ولدت عشرة أبطن كلهم إناث سيبت ولم تركب ولم يشرب لبنها الا ولدها والضيف حتى تموت فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعا وبحرت اذن بنتها الصغيرة فتسمى البحيرة وهي بمنزلة أمّها في أنها سائبة وفي القاموس الناقة كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهم إناث سيبت أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجت دابة من مشقة أو حرب قال هي سائبة أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظما وكانت لا تمنع من ماء وكلأ ولا تركب * وفي أنوار التنزيل وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وان ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وان ولدتهما وصلت الأنثى أخاها فلا يذبح لها